إعلان 10

الجمعة، 8 يوليو 2016

الحجاج والشيخ

خرج الحجاج يومًا للتنزه فصرف عنه أصحابه وانفرد بنفسه فلاقى شيخًا من بني عجل فقال له: من أين أنت يا شيخ؟ قال: من هذه القرية، قال: ما رأيكم بحكام البلاد، قال: كلهم أشرار يظلمون الناس ويختلسون أموالهم، قال: وما قولك في الحجاج، قال: هذا أنجس الكل، سوَّد الله وجهه ووجه من استعمله على هذه البلاد، قال الحجاج: أتعرف من أنا؟ فقال: لا والله، قال: أنا الحجاج، قال:وأنت تعرف من أنا، قال: لا، قال أنا زيد بن عامر مجنون بني عجل أصُرع كل يوم مرة في مثل هذه الساعة، فضحك الحجاج وأجازه.

الحجاج والرجل

خطب الحجاج فأطال، فقام رجل فقال: الصلاة فإن الوقت لا ينتظرك والرب لا يعذرك، فأمر بحبسه فأتاه قومه وزعموا أنه مجنون وسألوه أن يخلي سبيله، فقال: إن أقر بالجنون خليته، فقال: معاذ الله لا أزعم أن الله ابتلاني وقد عافاني، فبلغ ذلك الحجاج فعفا عن صدقه.

إكرام ثلاثة أصدقاء مخلصين بعضهم بعضًا

نُقل عن الواقدي قال: كان لي صديقان أحدهما هاشمي وكنا في الصداقة كنفس واحدة، فنالتني ضيقة شديدة وقد حضرالعيد، فقالت لي امرأتي: يا مولاي أمَّا نحن فقد نصبر على البؤس والشدة، وأمَّا صبياننا هؤلاء فقد تقطَّع قلبي عليهم حزنًا ورحمةً لأنهم يرون صبيان جيراننا ومعارفنا وقد تزينوا في العيد وهم فرحون، فلا بأس إذا احتلنا في ما يمكننا أن نصرفه في كسوتهم، فرأيت كلامها صوابًا وقد قطعت فؤادي من هذا الحديث، ففكرت في الحيلة وكتبت إلى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة عليَّ بما يمكنه ويحضره، فوجه إليَّ كيسًا فيه ألف درهم، فما استقر قراره حتى كتب لي صديقي الآخر يشكو إليَّ مثلما شكوت أنا إلى صديقي الهاشمي، فوجهت إليه بالكيس على حاله، وخرجت إلى المسجد وأنا مستحي من امرأتي، فلما دخلت عليها وقد علمت بما فعلت لم تعنفني، فبينما أنا كذلك إذ دخل عليَّ صديقي الهاشمي ومعه الكيس وهو باقٍ بختمه فقال: اصدقني عما فعلته بما وجهت به إليك، فأخبرته بالحكاية على حقيقتها، فقال: إنك أرسلت تطلب مني التوسعة وأنا والله ثم والله لا أملك شيئًا سوى هذا الكيس الذي بعثت به إليك، ثم إني بعدما أرسلته لك كتبت إلي صديقنا أسأله المواساة إن كان يمكنه فوجه إليَّ الكيس بذاته وهو بختمي وها أنا ذا أتيت به إليك، وبحيث إننا كلنا في ضيق ولا يوجد عند أحدنا غير هذا الكيس فهلم نقتسمه، ثم إنه فتحه وأخرج منه مائة درهم للمرأة وفرق علي كلٍّ منا أنا وصديقي ثلاثمائة ألف درهم وأخذ هو مثلنا ثلاثمائة، وبلغ المأمون ذلك فأرسل استدعاني وسألني عن القضية فشرحتها له كما هي، فاستدعى صديقي وأمر لكل منا بألفي دينار ولامرأتي بألف دينار.

ابن عامر والرجل

أراد ابن عامر أن يكتب لرجل بخمسين ألف درهم فجرى القلم بخمسمائة ألف درهم فراجعه الخازن في ذلك فقال: أنفذه فما بقي إلا نفاذه فإن خروج المال أحب إليّ من الاعتذار، فنظر إليه الخازن، فقال: إذا أراد الله بعبد خيرًاصرف القلم عن مجرى إرادة كاتبه إلى إرادته، وأنا أردت شيئًا وأراد الجواد الكريم أن يعطي عبده عشرة أضعافه، فكانت إرادة الله الغالبة وأمره النافذ.

جود ملك

قيل: إن الملك خسرو بن برويز كان يحب أكل السمك وكان يومًا جالسًا في المنظرة وزوجته عنده فجاءه صيادٌ وعنده سمكة كبيرة، وأهداها لخسرو ووضعها بين يديه، فأمر له بأربعة آلاف درهم، فقالت زوجته: بئس ما صنعت، فقال الملك: لم؟ فقالت: لأنك إذا أعطيت بعد هذا لأحد من حشمك هذا القدر قال: قد أعطاني مثل عطية الصياد، قال: لقد صدقت ولكن يقبح بالملوك أن يرجعوا في هباتهم وقد فات الأمر، فقالت زوجته: أنا أدبر هذا الحال، فقال: وكيف ذلك؟ فقالت: تدعو الصياد وتقول له: هذه السمكة ذكرٌ هي أم أنثى؟ فإن قال: ذكر، فقل: إنما طلبت أنثى، وإن قال: أنثى، فقل: إنما طلبت ذكرًا، فنودي الصياد فعاد، وكان الصياد ذا ذكاء وفطنة، فقال له خسرو: هذه السمكة ذكر أم أنثى، فقال له: هذه السمكة خنثى لا ذكر ولا أنثى، فضحك خسرو من كلامه وأمر له بأربعة آلاف درهم؛ فمضى الصياد إلى الخازن وقبض منه ثمانية آلاف درهم ووضعها في جراب كان معه وحملها على عنقه وهمَّ بالخروج فوقع من الجراب درهم واحد، فوضع الصياد الجراب عن كاهله وانحنى على الدرهم فأخذه والملك وزوجته ينظران إليه، فقالت لخسرو: أرأيت خسة هذا الرجل وسفالته سقط منه درهم واحد، فألقى عن كاهله وانحنى على الدرهم فأخذه ولم يسهل عليه أن يتركه ليأخذه غلام من غلمان الملك، فحرد خسرو من ذلك وقال: صدقت، ثم أمر بإعادة الصياد وقال له: يا ساقط الهمة لست بإنسان وضعت هذا المال عن عنقك لأجل درهم واحد وأسفت أن تتركه في مكانه، فقال الصياد: أطال الله بقاءك أيها الملك إنني لم أرفع ذلك الدرهم لخطره عندي وإنما رفعته عن الأرض لأن على وجهه صورة الملك وعلى الوجه الآخر اسم الملك، فخيشت أن يأتي أحد بغير علمٍ يضع عليه قدميه فيكون ذلك استخفافًا باسم الملك وأكون أنا المؤاخذ بهذا، فعجب خسرو من كلامه واستحسن ما ذكره فأمر له بأربعة آلاف درهم، فعاد الصياد ومعه اثنا عشر ألف درهم، وأمر خسرو مناديًا ينادي لا يتدبر أحد برأي النساء، فإنه من تدبر برأيهن خسر درهمه.

خزيمة وعكرمة الفياض وجابر عثرات الكرام

كان في أيام خلافة سليمان بن عبد الملك رجل يقال له خزيمة بن بشر من بني أسد مشهورٌ بالمروءة والكرم والمواساة، وكانت نعمته وافرة، فلم يزل على تلك الحالة من الكرم حتى احتاج إلى إخوانه الذين كان يؤَاسيهم ويتفضل عليهم، فآسوه حينًا ثم ملُّوه، فلما لاح منهم ذلك أتى امرأته وقال لها: يا ابنة العم رأيت من إخواني غير ما عهدته فيهم وقد عزمت على لزوم بيتي إلى أن يأتيني الموت، ثم إنه أغلق بابه وأقام يتقوت بما عنده حتى نفد جميعه وبقي حائرًا في أمره.
 وكان يومئذ عكرمة الفياض واليًا على الجزيرة. فبينما هو جالس في ديوانه وعنده جماعة من أهل البلد من معارفه إذ جرى ذكر خزيمة بن بشر، فسألهم عكرمة عن حاله فقالوا له: إنه في أشقى حالٍ من الفقر وقد أغلق بابه ولزم بيته، فقال عكرمة الفياض: أفما وجد خزيمة بن بشر مواسيًا أو مكافيًا، فقالوا له: لا، فأمسك عكرمة عن ذلك، وكان بمنزلة عظيمة من الكرم وسمِّي الفياض لزيادة كرمه وجوده، فانتظر إلى الليل وعمد إلى أربعة آلاف دينار جعلها في كيس ثم ركب دابته وخرج سرٍّا من عند أهله لا يصحبه إلا غلام واحد يحمل المال، فلم يزل سائرًا حتى وصل إلى باب خزيمة، فنزل عن دابته إلى ناحية وأمسكها لغلامه وأخذ منه الكيس وأتى به وحده إلى الباب وقرعه، فخرج خزيمة فقال له عكرمة وقد أنكر صوته: خذ هذا أصلح به شأنك، فتناوله خزيمة فرآه ثقيلًا فوضعه وقبض على ذيل عكرمة وقال له: أخبرني من أنت جعلت فداك؟ فقال له عكرمة: ما جئتك في مثل هذا الوقت وأريد أن تعرفني، فقال له خزيمة: والله لا أقبله ما لم تخبرني من أنت، فقال له عكرمة: أنا جابر عثرات الكرام، فقال خزيمة: زدني إيضاحًا، فقال له عكرمة: لا والله، وانصرف، فدخل خزيمة بالكيس إلى امرأته وقال له: أبشري فقد أتى الله بالفرج فقومي أسرجي، فقالت: لا سبيل إلى السراج لأنه ليس لنا زيت، فبات خزيمة يلمس الكيس فيجد خشونة الدنانير، ولما رجع عكرمة إلى منزله سألته امرأته فيمَ خرج بعد هدأة من الليل منفردًا، فأجابها: ما كنت لأخرج في وقت كذا وأريد أن يعلم أحد بما خرجت إليه إلا الله فقط، فقالت له: لا بد لي أن أعلم ذلك، وصاحت وناحت وألحت عليه بالطلب، فلما رأى أنه ليس له بدٌّ قال لها: أخبرك بالأمر فاكتميه إذًا، قالت له: قل ولا تبال بذلك، فأخبرها بالقصة على وجهها.
أما ما كان من خزيمة فإنه لما أصبح صالح غرماءه وأصلح شأنه وتجهز للسفر يريد الخليفة سليمان بن عبد الملك، فدخل الحاجب وأخبر سليمان بوصول خزيمة بن بشر، وكان سليمان يعرفه جيدًا بالمروءة والكرم فأذن له، فلما دخل خزيمة وسلم عليه بالخلافة قال له سليمان: يا خزيمة ما أبطأك عنا، قال: سوء الحال يا أمير المؤمنين، قال: فما منعك النهضة إلينا، قال خزيمة: ضعفي يا أمير المؤمنين وقلة ما بيدي، قال: فكم أنهضك الآن، قال خزيمة: لم أشعر يا أمير المؤمنين بعد هدأة من الليل إلَّا والباب يطرق فخرجت فرأيت شخصًا وكان منه كيت وكيت، وأخبره بقصته من أولها إلى آخرها، فقال له: أما عرفته، فقال خزيمة: ما سمعت منه يا أمير المؤمنين إلَّا حين سألته عن اسمه قال: أنا جابر عثراث الكرام، فتلهف سليمان بن عبد الملك على معرفته وقال: لو عرفناه لكافأناه على مروءته، ثم قال: علي بالكاتب فحضر إليه، فكتب لخزيمة الولاية على الجزيرة وجميع عمل عكرمة وأجزل له العطاء وأحسن ضيافته، وأمره بالتوجه من وقته إلى الولاية فقبل الأرض خزيمة وتوجه من ساعته إلى الجزيرة.
 فلما قرب منها خرج عكرمة وكان قد بلغه عزله وأقبل لملاقاة خزيمة مع جميع أعيان البلد، وسلموا عليه وساروا جميعا إلى أن دخلوا به البلد، فنزل خزيمة في دار الإمارة وأمر أن يؤخذ عكرمة ويحاسب، فحوسب ففضل عليه مال كثير فطلبه جزية منه، فقال له عكرمة: والله ما إلى درهم منه سبيل ولا عندي منه دينارًا، فأمر خزيمة بحبسه وأرسل يطالبه بالمال، فأرسل عكرمة يقول له: إني لست ممن يصون ماله بعرضه فاصنع ما شئت، فأمر خزيمة بقيده وضربه، فكبل بالحديد وضرب وضيق عليه، فأقام كذلك شهرًا فأضناه ذلك وأضر به، فبلغ امرأته ضَرَّهُ فجزعت لذلك واغتمت غمٍّا شديدًا، فدعت جارية لها ذات عقل وقالت لها: اذهبي الساعة إلى باب خزيمة وقولي للحاجب: إن عندي نصيحة للأمير فإذا طلبها منك فقولي: لا أقولها إلا للأمير خزيمة، فإذا دخلت عليه فسليه الخلوة فإذا فعل فقولي له: ما كان هكذا جزاء جابر عثرات الكرام منك بمكافأتك له بالضيق والحبس والحديد ثم بالضرب، ففعلت جاريتها ذلك، فلما سمع خزيمة قولها قال: واسوأتاه جابر عثرات الكرام غريمي، قالت: نعم، فأمر لوقته بدابته فأسرجت وركب إلى وجوه أهل البلد فجمعهم وسار بهم إلى باب الحبس متغيرًا وقد أضناه الضر، فلما نظر عكرمة إلى خزيمة ووجوه أهل البلد أحشمه ذلك فنكس رأسه، فأقبل خزيمة وأكب على رأسه فقبله، فرفع عكرمة رأسه وقال: ما أعقب هذا منك، قال خزيمة: كريم فعالك بسوء مكافأتي، فقال له عكرمة: يغفر الله لنا ولك، ثم إن خزيمة أمر بقيوده أن تفك وأن توضع في رجليه نفسه، فقال له عكرمة: ما مرادك بذلك، قال مرادي أن ينالني من الضر ما نالك، فقال له عكرمة: أقسم عليك باالله أن لا تفعل، وبعد ذلك خرجا جميعًا وجاء إلى دار خزيمة فودعه عكرمة وأراد الانصراف فلم يمَكِّنه من ذلك، ثم وحمل إليه مالًا كثيرًا وسأله أن يسير معه إلى أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك، وكان يومئذ في الرحلة، فسار معه حتى قدما على سليمان، فدخل الحاجب وأخبره بقدوم خزيمة بن بشر، فراعه ذلك وقال في نفسه: والي الجزيرة يقدم علينا بدون أمرنا مع قرب العهد به، ما هذا إلا لحادث عظيم، فلما دخل عليه قال: ما وراءك يا خزيمة؟ قال: خير يا أمير المؤمنين، قال: فما أقدمك، قال: يا أمير المؤمنين إني ظفرت بجابر عثرات الكرام فأحببت أن أسرك لما رأيت من شوقك إلى رؤيته، قال: ومن هو؟ قال: عكرمة الفياض، فأذن له في الدخول فدخل وسلم عليه بالخلافة، فرحب به وأدناه من مجلسه وقال له: اكتب حوائجك وما تختاره في رقعة، فكتبها فقُضيت على أتم وجه، ثم أمر له بعشرة آلاف دينار وأضاف له شيئًا كثيرًا من التحف والظرف وولاه على الجزيرة وإرمينية وما جاورهما، وقال له: أمر خزيمة بيدك إن شئت عزلته، قال: بل رده إلى عمله مكرّمًا يا أمير المؤمنين، ثم إنهما انصرفا جميعًا ولم يزالا عاملَين لسليمان مدة خلافته.

أبو جعفر وأزهر الشاعر

وفد أزهر الشاعر على أبي جعفر فقال له: ما حاجتك، قال جئتك طالبًا، فأمر له باثني عشر ألف درهم وقال: لا تأتنا بعد طالبًا، فأخذها وانصرف، ولما كان بعد سنة أتاه، فقال له أبو جعفر: ما حاجتك يا أزهر، قال: جئت مسلِّما فقال: لا والله بل جئت طالبًا، وقد أمرنا لك باثني عشر ألفًا فلا تأتنا طالبًا ولا مسلِّما، فأخذها ومضى ولما كان بعد سنة أتاه فقال: ما حاجتك يا أزهر قال: أتيت عائدًا، فقال: لا والله بل جئت طالبًا، وقد أمرنا لك باثني عشر ألفًا فاذهب ولا تأتنا بعد طالبًا ولا مسلِّما ولا عائدًا، فأخذها وانصرف، فلما مضت السنة أقبل، فقال له: ما حاجتك يا أزهر، قال: يا أمير المؤمنين دعاء كنت أسمعك تدعو به جئت لأكتبه فضحك أبو جعفر وقال: الدعاء الذي تطلبه غير مستجاب فإني دعوت الله به أن لا أراك فلم يستجب لي، وقد أمرنا لك باثني عشر ألفا. وتعالَ متى شئت فقد أعيتنا الحيلة فيك.